الشيخ محمد زاهد الكوثري

124

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

عليه . ويجوز أن يسمى إيمانا حقيقة على وجه ، ومجازا على وجه : ومعنى ذلك : أن العبد إذا صدق قلبه بما قلنا وأقر بلسانه ، وعملت جوارحه فهو المؤمن الحقيقي عند اللّه وعندنا . وأما من كذب بقلبه وأقرّ بالوحدانية بلسانه وعمل الطاعات بجوارحه فهذا ليس بمؤمن حقيقة ، وإنما هو مؤمن مجازا ، لأن ذلك يمنع دمه وماله في أحكام الدنيا ، لأنه مؤمن من حيث الظاهر ، وهو عند اللّه غير مؤمن . والدليل على صحة ذلك : قوله : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ( 1 ) [ المنافقون : 1 ] فأخبر سبحانه بكذبهم ، ونحن نعلم وكل عاقل أنه ما كذب إقرار ألسنتهم ، وإنما كذب قلوبهم ، حيث أبطنوا خلاف ما أظهروا ، لأن الأخرس المصدق بقلبه إيمانه صحيح ، وإن كان لا يقدر على النطق والإقرار بلسانه ، وكذلك بالعكس من هذا ، فإن المؤمن المصدق بقلبه مؤمن عند اللّه تعالى ، وإن نطق بالكفر . يدلك على صحة ذلك : قوله تعالى : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً [ النّحل : 106 ] فأخبر أن نطق اللسان بالإيمان لا ينفع مع إصرار القلب على الكفر ، وإقرار اللسان بالكفر لا يضر مع تصديق القلب . واعلم : أنا لا ننكر أن نطلق القول بأن الإيمان عقد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان ، وعلى ما جاء في الأثر « 1 » لأنه صلى اللّه عليه وسلم إنما أراد بذلك أن يخبر عن حقيقة الإيمان الذي ينفع في الدنيا والآخرة ، لأن من أقر بلسانه ، وصدق بقلبه ، وعمل أركانه حكمنا له بالإيمان وأحكامه في الدنيا من غير توقف ولا شرط ، وحكمنا له أيضا بالثواب في الآخرة وحسن المنقلب ، من حيث شاهد الحال ، وقطعنا له بذلك في الآخرة ، بشرط أن يكون في معلوم اللّه تعالى أنه يحييه على ذلك ، ويميته عليه . ولو أقرّ بلسانه ، وعمل بأركانه ، ولم يصدق بقلبه ، نفعه ذلك في أحكام الدنيا ولم ينفعه في الآخرة ، وقد بيّن ذلك صلى اللّه عليه وسلم حيث قال : « يا معشر من آمن بلسانه ولمّا يدخل الإيمان في قلبه » وإذا تأملت هذا التحقيق وتدبرته وجدت بحمد اللّه تعالى . ومنه : أن الكتاب والسنة ليس فيهما اضطراب ولا اختلاف ، وإنما الاضطراب ، والاختلال ، والاختلاف في فهم من سمع ذلك ، وليس له فهم صحيح ، نعوذ باللّه من ذلك . وكذلك أيضا : لا ننكر أن نطلق أن الإيمان يزيد وينقص . كما جاء في الكتاب والسنة ؛ لكن النقصان والزيادة يرجع في الإيمان إلى أحد أمرين : إما أن يكون ذلك

--> ( 1 ) لم يصح مرفوعا ، وفي صحيح مسلم الإيمان أن تؤمن باللّه الحديث . . . ( ز ) .